فصل: تفسير الآيات رقم (66- 70)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ‏(‏60‏)‏‏}‏

ولمَّا ذكر الحق جلّ جلاله قصة أهل الكهف، وكان وقع فيها عتاب للرسول- عليه الصلاة والسلام- حيث لم يستثن بتأخير الوحي، وبقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقولن لشيء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، ذكر هنا قصة موسى مع الخضر- عليهما السلام- وكان سَبَبُها عتابَ الحق لموسى عليه السلام؛ حيث لم يردَّ العلم إليه، حين قال له القائل‏:‏ هل تعلم أحدًا أعلم منك‏؟‏ فقال‏:‏ لا، فذكر الحق تعالى قصتهما؛ تسليةً لنبينا عليه الصلاة والسلام بمشاركة العتاب‏.‏

قلت‏:‏ ‏{‏لا أبرح‏}‏‏:‏ ناقصة، وخبرها‏:‏ محذوف‏:‏ اعتمادًا على قرينة الحال؛ إذ كان ذلك عن التوجه إلى السفر، أي‏:‏ لا أبرح أسير في سفري هذا، ويجوز أن تكون تامة، من زال يزول، أي‏:‏ لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏و‏}‏ اذكر ‏{‏إذ قال موسى لفتاه‏}‏ يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام، وكان ابن أخته، سُمي فتاه؛ إذ كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه العلم‏.‏ والفتى في لغة العرب‏:‏ الشاب، ولمَّا كانت الخدمة أكثر ما تكون من الفتيان، قيل للخادم‏:‏ فتى، ويقال للتلميذ‏:‏ فتى، وإن كان شيخًا، إذا كان في خدمة شيخه، فقال موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏لا أبرحُ‏}‏‏:‏ لا أزال أسير في طلب هذا الرجل، يعني‏:‏ الخضر عليه السلام، ‏{‏حتى أبلغَ مَجْمَعَ البحرين‏}‏، وهو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق، وهذا مذهب الأكثر‏.‏ وقال ابن جزي‏:‏ مجمع البحرين‏:‏ عند «طنجة»؛ حيث يتجمع البحر المحيط والبحر الخارج منه، وهو بحر الأندلس‏.‏ قلت‏:‏ وهو قول كعب بن محمد القرضي‏.‏ ‏{‏أو أَمْضِيَ حُقُبًا‏}‏ أي‏:‏ زمنًا طويلاً أتيقن معه فوات الطلب‏.‏ والحقب‏:‏ الدهر، أو ثمانون سنة، أو سبعون‏.‏

وسب هذا السفر‏:‏ أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر، بعد هلاك القبط، أمره الله تعالى أن يُذّكر قومه هذه النعمة، فقام فيهم خطيبًا بخطبة بليغة، رقَّت بها القلوب، وذرفت منها العيون، فقالوا له‏:‏ من أعلم الناس‏؟‏ فقال‏:‏ أنا‏.‏ وفي رواية‏:‏ هل تعلم أحدًا أعلم منك‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ فعَتَب الله عليه؛ إذ لم يَرُدَّ العلم إليه عزّ وجلّ، فأوحى الله إليه‏:‏ «أعلم منك عبدٌ لي بمجمع البحرين، وهو الخضر»، وكان قبل موسى عليه السلام، وكان في مُقَدَّمَةِ ذي القرنين، فبقي إلى زمن موسى عليه السلام، وسيأتي ذكر التعريف به في محله، إن شاء الله‏.‏

وقال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ إن موسى عليه السلام سأل ربه‏:‏ أيُّ عبادك أحب إليك‏؟‏ قال‏:‏ الذي يذكرني ولا ينساني، قال‏:‏ فأي عبادك أقضى‏؟‏ قال‏:‏ الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال‏:‏ فأي عبادك أعلم‏؟‏ قال‏:‏ الذي يستقي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمةً تدله على هدى، أو ترده عن ردى، قال‏:‏ يا رب إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه‏؟‏ قال‏:‏ أعلم منك الخضر، قال‏:‏ أين أطلبه‏؟‏ قال‏:‏ على ساحل البحر عند الصخرة‏.‏

قال‏:‏ يا رب، كيف لي به‏؟‏ قال‏:‏ خُذ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فحيثما فقدتَه فهو هناك، فأخذ حُوتًا مشويًا، فجعله في مِكْتَلٍ، فقال لفتاه‏:‏ إذا فقدتَّ الحوت فأخبرني، وذهبا يمشيان إلى أن اتصلا بالخضر، على ما يأتي تمامه، إن شاء الله تعالى‏.‏ وحديث الخطبة هو الذي في صحيح البخاري وغيره‏.‏ والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان‏.‏

الإشارة‏:‏ قصة سيدنا موسى مع الخضر- عليهما السلام- هي السبب في ظهور التمييز بين أهل الظاهر وأهل الباطن، فأهل الظاهر قائمون بإصلاح الظواهر، وأهل الباطن قائمون بتحقيق البواطن‏.‏ أهل الظاهر مغترفون من بحر الشرائع، وأهل الباطن مغترفون من بحر الحقائق‏.‏ قيل‏:‏ هو المراد بمجمع البحرين، حيث اجتمع سيدنا موسى، الذي هو بحر الشرائع، والخضر عليه السلام، الذي هو بحر الحقائق، ولا يُفهم أن سيدنا موسى عليه السلام خال من بحر الحقائق، بل كان جامعًا كاملاً، وإنما أراد الحق تعالى أن يُنزله إلى كمال الشرف، بالتواضع في طلب زيادة العلم؛ تأديبًا له وتربية، حيث ادعى القوة في نسبته العلم إلى نفسه، وفي الحِكَم‏:‏ «منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أَفَيُبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين‏!‏»‏.‏

وهذه عادة الله تعالى مع خواصِّ أحبائه، إذا أظهروا شيئًا من القوة، أو خرجوا عن حد العبودية، ولو أنملة، أدبهم بأصغر منهم علمًا وحالاً؛ عناية بهم، وتشريفًا لهم؛ لئلا يقفوا دون ذروة الكمال، كقضية الشاذلي مع المرأة التي قالت له‏:‏ تَمُنُّ على ربك بجوع ثمانين يومًا، وأنا لي تسعة أشهر ما ذقت شيئًا‏.‏ وكقضية الجنيد والسَّرِي في جماعة من الصوفية، حيث تكلموا في المحبة، وفاض كل واحد على قدر اتساع بحره فيها، فقامت امرأة بالباب، عليها جُبة صوف، فردت على كل واحد ما قال، حيث أظهروا قوة علمهم، فأدبهم بامرأة‏.‏

ويؤخذ من طلب موسى الخضر- عليهما السلام- والسفر إليه‏:‏ الترغيب في العلم، ولا سيما علم الباطن، فطلبه أمر مؤكد‏.‏ قال الغزالي رضي الله عنه‏:‏ هو فرض عين؛ إذ لا يخلو أحد من عيب إو إصرار على ذنب، إلا الأنبياء- عليهم السلام- وقد قال الشاذلي رضي الله عنه‏:‏ من لم يغلغل في علمنا هذا مات مُصرًا على الكبائر وهو لا يشعر‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 65‏]‏

‏{‏فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ‏(‏61‏)‏ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏(‏62‏)‏ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏(‏63‏)‏ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا ‏(‏64‏)‏ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ‏(‏65‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏بينهما‏}‏‏:‏ ظرف مضاف إليه؛ اتساعًا، أو بمعنى الوصل، و‏{‏سَرَبًا‏}‏‏:‏ مفعول ثان لاتخذ، و‏{‏إذ أوينا‏}‏‏:‏ متعلق بمحذوف، أي‏:‏ أخبرني ما دهاني حين أويتُ إلى الصخرة حتى لم أخبرك بأمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره‏.‏ و‏{‏أن أذكره‏}‏‏:‏ بدل من الهاء في ‏{‏أنسانيه‏}‏؛ بدل اشتمال؛ للمبالغة، و‏{‏عجبًا‏}‏‏:‏ مفعول ثان لاتخذ، وقيل‏:‏ إن الكلام قد تم عند قوله‏:‏ ‏{‏في البحر‏}‏، ثم ابتدأ التعجب فقال‏:‏ ‏{‏عجبًا‏}‏ أي‏:‏ أَعْجَبُ عَجَبًا، وهو بعيد‏.‏ قاله ابن جزي‏.‏ قلت‏:‏ وهذا البعيد هو الذي ارتكب الهبطي‏.‏ و‏{‏قصصًا‏}‏‏:‏ مصدر، أي‏:‏ يقصان قصصًا‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ثم إن موسى ويوشع- عليهما السلام- حملا حوتًا مشويًا وخُبزًا، وسارا يلتمسان الخضر، ‏{‏فلما بلغا مَجْمَعَ بينهما‏}‏؛ بين البحرين، أو مجمع وصل بعضهما ببعض، وجدا صخرة هناك، وعندها عين الحياة، لا يصيب ذلك الماءُ شيئًا إلا حَيِيَ بإذن الله، وكانا وَصَلاَ إليها ليلاً، فناما، فلما أصاب السمكة رَوْحُ الماء وبردُه اضطرب في المِكْتَلِ، ودخل البحر، وقد كانا أَكَلاَ منه، وكان ذلك بعد استيقاظ يوشع، وقيل‏:‏ توضأ عليه السلام من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فحيى ودخل البحر، فاستيقظ موسى، وذهبا، و‏{‏نَسِيَا حوتَهما‏}‏ أي‏:‏ نسيا تفقد أمره وما يكون منه، أو نسي يوشع أن يعلمه، وموسى عليه السلام أن يأمر فيه بشيء، ‏{‏فاتخذ‏}‏ الحوت ‏{‏سبيله‏}‏ أي‏:‏ طريقه ‏{‏في البحر سَرَبًا‏}‏؛ مسلكًا كالطّاق، قيل‏:‏ أمسك الله جرية الماء على الحوت فجمد، حتى صار كالطاق في الماء؛ معجزة لموسى أو الخضر- عليهما السلام-‏.‏

فلما جاوزا مجمع البحرين، الذي جُعل موعدًا للملاقاة، وسارا بقية ليلتهما ويومهما إلى الظهر، وجد موسى عليه السلام حَرَّ الجوع، ف ‏{‏قال لفتاه آتنا غداءنا‏}‏ أي‏:‏ ما نتغدى به، وهو الحوت، كما يُنبئ عنه الجواب، ‏{‏لقد لَقِينا من سفرنا هذا نصبًا‏}‏‏:‏ تعبًا وإعياء‏.‏ قيل‏:‏ لم يَنْصَبْ موسى ولم يَجُعْ قبل ذلك، ويدل عليه الإتيان بالإشارة، وجملة ‏{‏لقد لقينا‏}‏‏:‏ تعليل للأمر بإيتاء الغذاء، إما باعتبار أن النَّصَب إنما يعتري بسبب الضعف الناشئ عن الجوع، وإمَّا باعتبار ما في أثناء التغذي من استراحة مَّا‏.‏

‏{‏قال‏}‏ فتاه عليه السلام‏:‏ ‏{‏أرأيت إذ أوينا إِلى الصخرة‏}‏ أي‏:‏ التجأنا إليها ونِمنا عندها، ‏{‏فإني نسيتُ الحوت‏}‏ أي‏:‏ أخبرني ما دهاني حتى لم أذكر لك أمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما اعتراه من النسيان، مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، ‏{‏وما أنسانيهُ إِلا الشيطانُ‏}‏ بوسوسته الشاغلة له عن ذلك، ‏{‏أن أذكره‏}‏، ونسبته للشيطان؛ هضمًا لنفسه، واستعمال الأدب في نسبة النقائص إلى الشيطان، وإن كان الكل من عند الله‏.‏

وهذه الحالة، وإن كانت غريبة لا يعهد نسيانها، لكنه قد تعَوَدَّ بمشاهدة أمثالها من الخوارق مع موسى عليه السلام، وأَلِفَهَا قبل اهتمامه بالمحافظة عليها، أو لاستغراقه وانجذاب سره إلى جناب القدس، حتى غاب عن الإخبار بها‏.‏

‏{‏قلت‏}‏‏:‏ والظاهر أن نسيانه كان أمرًا إلهياً قهريًا بلا سبب، وحكمتُه ما لقي من النصب؛ لتعظُم حلاوة العلم الذي يأخذه عن الخضر عليه السلام، فإن المُساق بعد التعب ألذ من المساق بغير تعب، ولذلك‏:‏ «حفت الجنة بالمكاره»‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏واتخذ‏}‏ الحوتُ ‏{‏سبيلَه في البحر عَجَبًا‏}‏، فيه حذف، أي فحيى الحوت، واضطرب، ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجبًا، أو اتخاذًا عجبًا يُتعجب منه، وهو كون مسلكه كالطاق، ‏{‏قال‏}‏ موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏ذلك ما كنا نبغ‏}‏ أي‏:‏ ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت هو الذي كُنا نطلبه؛ لكونه أمارة للفوز بالمرام، ‏{‏فارتدَّا‏}‏ أي‏:‏ رجعا ‏{‏على‏}‏ طريقهما الذي جاءا منه، يَقُصَّان‏.‏ يتبعان ‏{‏آثارِهما قَصَصًا‏}‏، حتى أتيا الصخرة ‏{‏فوجدا عبدًا من عبادنا‏}‏، التنكير؛ للتفخيم والإضافة؛ للتعظيم، وهو الخضر عليه السلام عند الجمهور، واسمه‏:‏ بَلْيَا بن مَلْكَان يُعْصوا، والخضر لقب له؛ لأنه جلس على فروةٍ بيضاء فاهتزّت تحته خضراء، كما في حديث أبي هريرة- عنه- صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ سمي خضرًا؛ لأنه كان إذا صلى خضر ما حوله، ثم قال‏:‏ وهو ابن عابر بن شالِخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكًا‏.‏ ه‏.‏ وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قصة الخضر، فقال‏:‏ «كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فأبى وهرب، ولحق بجزائر البحر، فلم يقدر عليه» قيل إنه شرب من عين الحياة؛ فمُتع بطول الحياة‏.‏

رُوِيَ أن موسى عليه السلام حين انتهى إلى الصخرة رأى الخضر عليه السلام على طنْفَسَةٍ- أي‏:‏ بساط- على وجه الماء، فسلم عليه‏.‏ وعنه- عليه الصلاة والسلام- أنه قال‏:‏ «انتهى موسى إلى الخضر، وهو نائم مُسَجى عليه ثوب، فسلَّمَ عليه فاستوى جالسًا، وقال‏:‏ عليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى‏:‏ من أخبرك أني نبي بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ الذي أدراكَ بي، وذلك عليَّ»

قال تعالى في حق الخضر‏:‏ ‏{‏آتيناه رحمةً من عندنا‏}‏، هي الوحي والنبوة، كما يُشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل‏:‏ هي سر الخصوصية، وهي الولاية‏.‏ ‏{‏وعلَّمناه من لَّدُنَّا عِلْمًا‏}‏ خاصًا، لا يكتنه كُنْهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة، أو علم الذات والصفات، علمًا حقيقيًا‏.‏ فالخضر عليه السلام قيل‏:‏ إنه نبي؛ بدليل قوله فيما يأتي‏:‏ ‏{‏وما فعلته عن أمري‏}‏، وقيل‏:‏ وَلِيٌّ، واخْتلف‏:‏ هل مات، أو هو حي‏؟‏ وجمهور الأولياء‏:‏ أنه حي، وقد لقيه كثيرٌ من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته‏.‏

والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ إنما صار الحوت دليلاً لسيدنا موسى عليه السلام بعد موته وخروجه عن إلفه، ثم حيى حياة خصوصية لَمَّا أنفق عليه من عين الحياة، كذلك العارف لا يكون دالاً على الله، وإمامًا يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه، ويخرق عوائد نفسه، ويفنى عن بشريته، ويبقى بربه، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ربه، ويصير إمامًا ودليلاً موصلاً إليه، ويَظهر منه خرق العوائد، كما ظهر من الحوت، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطَّاق، وذلك اقتدار، وإلى ذلك تشير أحوال الخضر، فكان الحوت مظهرًا لحاله في تلك القصة‏.‏ قاله في الحاشية بمعناه‏.‏

وقال قبل ذلك في قوله‏:‏ واتخذ سبيله في البحر عَجَبًا‏:‏ أي اتخذ الحوتُ، وجوِّزَ كونُ فاعلِ ‏(‏اتخذ‏)‏‏:‏ موسى، أي‏:‏ اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا وخرقَ عادةٍ؛ بأن مشى على الماء في طريق الحوت، حتى وجد الخضر على كبد البحر‏.‏ ثم قال‏:‏ وعلى الجملة‏:‏ فالقضية تشير من جهة الخضر‏:‏ للاقتدار وإسقاط الأسباب، ومن جهة موسى‏:‏ لإثبات الأسباب؛ حكمة، وحالة الاقتدار أشرف، وصاحب الحكمة أكمل ونفعه عام، بخلاف الآخر، فإن نفعه خاص‏.‏ ه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلّمناه من لدُنَّا علمًا‏}‏، العلم اللدني‏:‏ هو الذي يفيض على القلب من غير اكتساب ولا تعلم، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ علمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» وذلك بعد تطهير القلب من النقائص والرذائل، وتفرغه من العلائق والشواغل، فإذا كمل تطهير القلب، وانجذب إلى حضرة الرب، فاضت عليه العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، منها ما تفهمها العقول وتدخل تحت دائرة النقول، ومنها ما لا تفهمها العقول ولا تحيط بها النقول، بل تُسلم لأربابها، من غير أن يقتدى بهم في أمرها، ومنها ما تفيض عليهم في جانب علم الغيوب؛ كمواقع القدر وحدوث الكائنات المستقبلة، ومنها ما تفيض عليهم في علوم الشرائع وأسرار الأحكام، ومنها في أسرار الحروف وخواص الأشياء، إلى غير ذلك من علوم الله تعالى‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 70‏]‏

‏{‏قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‏(‏66‏)‏ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏67‏)‏ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ‏(‏68‏)‏ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏(‏69‏)‏ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏70‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏رُشْدًا‏}‏‏:‏ مفعول ثاني لعلمت، أو‏:‏ علة لأتبعك، أو‏:‏ مصدر بإضمار فعله، أو‏:‏ حال من كاف ‏{‏أتبعك‏}‏، أو‏:‏ على إسقاط الخافض، أي‏:‏ من الرشد، وفيه لغتان‏:‏ ضم الراء وسكون الشين، وفتحهما، وهو‏:‏ إصابة الخير، و‏{‏خُبْرًا‏}‏‏:‏ تمييز محول عن الفاعل، أي‏:‏ لم يحط به خبرك‏.‏ و‏{‏لا أعصي‏}‏‏:‏ عُطِفَ على‏:‏ ‏{‏صابرًا‏}‏‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ولما اتصل موسى بالخضر- عليهما السلام- استأذنه في صحبته ليتعلم منه، ملاطفة وأدباً وتواضعاً، وكذلك ينبغي لمن يريد التعلم من المشايخ‏:‏ أن يتأدب ويتواضع معهم‏.‏ ‏{‏قال له موسى هل أتبعك على أن تُعلّمَنِ رُشدًا‏}‏ أي‏:‏ مما علمك الله من العلم الذي يدل على الرشد وإصابة الصواب، لعلي أرشد به في ديني‏.‏ ولا ينافي كونه نبيًا ذا شريعة أن يتعلم من غيره من أسرار العلوم الخفية؛ إذ لا نهاية لعلمه تعالى، وقد قال له تعالى فيما تقدم‏:‏ أعلم الناس من يبتغي علم غيره إلى علمه‏.‏ رُوي أنهما لما التقيا جلسا يتحدثان، فجاءت خُطافة أو عصفور فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال الخضر‏:‏ يا موسى خطر ببالك أنك أعلم أهل الأرض‏؟‏ ما علمك وعلمي وعلم الأولين والآخرين في جنب علم الله إلا أقل من الماء الذي حمله هذا العصفور‏.‏

ولَمَّا سأله صُحْبَتَهُ ‏{‏قال‏}‏ له‏:‏ ‏{‏إِنك لن تستطيع معيَ صبرًا‏}‏؛ لأنك رسول مكلف بحفظ ظواهر الشرائع، وأنا أطلعني الله تعالى على أمور خفية، لا تتمالك أن تصبر عنها؛ لمخالفة ظاهرها للشريعة‏.‏ وفي صحيح البخاري‏:‏ «قال له الخضر‏:‏ يا موسى، إني على علم من علم الله عَلَّمَنِيهِ، لا تعلمه أنت، وأنتَ على علمٍ من علم الله علَّمكَه الله، لا أعلمه»

ثم علّل عدم صبره بقوله‏:‏ ‏{‏وكيف تصبرُ على ما لم تُحط به خُبْرًا‏}‏ ‏؟‏ لأني أتولى أموراً خفية لا خُبر لك بها، وصاحب الشريعة لا يُسلم لصاحب الحقيقة العارية من الشريعة، ‏{‏قال‏}‏ له موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏ستجدني إِن شاء الله صابرًا‏}‏ معك، غير مُعترض عليك‏.‏ وتوسيط الاستثناء بين مفعولي الوجدان لكمال الاعتناء بالتيمن، ولئلا يتوهم تعلقه بالصبر، ‏{‏ولا أعصي لك أمرًا‏}‏، هو داخل في الاستثناء، أي‏:‏ ستجدني إن شاء الله صابرًا وغير عاص‏.‏

وقال القشيري‏:‏ وَعَدَ من نفسه شيئين‏:‏ الصبر، وألاَّ يعصيه فيما يأمره به‏.‏ فأما الصبر فَقَرنَه بالمشيئة، حتى وجده صابرًا، فلم يقبضْ على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل‏.‏ والثاني قال‏:‏ ‏{‏ولا أعصي لك أمراً‏}‏، فأطلق ولم يستثن، فعصى، حيث قال له الخضر‏:‏ ‏{‏فلا تسألني عن شيء‏}‏، فكان يسأله، فبالاستثناء لم يخالف، وبالإطلاق خالف‏.‏ ه‏.‏ قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي‏:‏ وفيه نظر؛ للحديث الصحيح‏:‏ «يرحم الله موسى، لو صبر‏.‏‏.‏‏.‏»

مع أن قوله‏:‏ «ولا أعصي‏.‏‏.‏‏.‏» الخ، غير خارج عن الاستثناء، كما تقدم، وإن احتمل خروجه، والظاهر‏:‏ أن الاستثناء، كالدعاء، إنما ينفع إذا صادف القدر، وهو هنا لم يصادف، مع أنه هنا عارضه علم الخضر بكونه لم يصبر من قوله‏:‏ ‏{‏لن تستطيع معي صبرًا‏}‏، وقد أراد الله نفوذ علم الخضر‏.‏ ه‏.‏

وقال ابن البنا‏:‏ أن العهد إنما هو على قدر الاستطاعة، وإن الوفاء بالملتزم إنما يكون فيما لا يخالف الشرع، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لأن موسى عليه السلام لم يلتزم إلا ذلك‏.‏ ولمّا رأى ما هو محرم تكلم‏.‏‏.‏‏.‏ فافهم‏.‏ ه‏.‏

ثم شرط عليه التسليم لِمَا يرى، فقال‏:‏ ‏{‏فإِن اتبعتني فلا تسالني عن شيء‏}‏ تشاهده من أفعالي، فهمْتَه أم لا، أي‏:‏ لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته، فضلاً عن مناقشته واعتراضه، ‏{‏حتى أُحْدِثَ لك منه ذكرًا‏}‏؛ حتى أبتدي بيانه لك وحكمته، وفيه إيذان بأن ما يصدر منه له حكمة خفية، وعاقبة صالحة‏.‏ وهذا من أدب المتعلم مع العالم، والتابع مع المتبوع، أنه لا يعترض على شيخه بل يسأل؛ مُسترشدًا بملاطفةٍ وأدب، وهذا في العلم الظاهر‏.‏ وسيأتي في الإشارة ما يتعلق بعلم الباطن‏.‏

الإشارة‏:‏ قد أخذ الصوفية- رضي الله عنهم- آداب المريد مع الشيخ من قضية الخضر مع موسى- عليهما السلام-؛ فطريقتهم مبنية على السكوت والتسليم، حتى لو قال لشيخه‏:‏ لِمَ‏؟‏ لَمْ يفلح أبدًا، سواء رأى من شيخه منكرًا أو غيره، ولعله اختبار له في صدقه، أو اطلع على باطن الأمر فيه، فأحوالهم خضرية، فالمريد الصادق يُسلم لشيخه في كل ما يرى، ويمتثل أمره في كل شيء، فَهِم وجه الشريعة فيه أم لا، هذا في علم الباطن، وأما علم الظاهر فمبني على البحث والتفتيش، مع ملاطفة وتعظيم‏.‏

قال الورتجبي‏:‏ امتحن الحق تعالى موسى عليه السلام بصحبة الخضر؛ لاستقامة الطريقة ولتقويم السنة في متابعة المشايخ، ويكون أسوة للمريدين والقاصدين في خدمتهم أشياخ الطريقة‏.‏ ه‏.‏ قال القشيري في قوله‏:‏ ‏{‏فلا تسالن عن شيء‏}‏‏:‏ قال‏:‏ ليس للمريد أن يقول لشيخه‏:‏ لِمَ، ولا للمتعلم أن يقول لأستاذه، ولا للعامي أن يقول للمفتي فيما يفتي ويحكم‏:‏ لِمَ‏.‏ ه‏.‏

وقال ابن البنا في تفسيره‏:‏ يُؤخذ من هذه القصة‏:‏ ترك الاعتراض على أولياء الله إذا ظهر منهم شيء مخالف للظاهر؛ لأنهم فيه على دليل غير ظاهر لغيرهم، اللهم إلا أن يدعوك إلى اتباعه، فلا تتبعه إلا عن دليل، ويُسلم له في حاله، ولا تعترض عليه، ولا يمنعك ذلك من طلب العلم والتعلم منه، وإن كنت لا تعمل بعمله؛ لأنه لا يجب عليك تقليده إلا عن دليل، فلا تعمل مثل عمله، وأنت ترى أنه مخالف لك في ظنك، ولا علم لك بحقيقة باطن الأمر، فلا تقفُ ما ليس لك به علم‏.‏

والله الموفق والمرشد‏.‏ ه‏.‏

قلت‏:‏ ما ذكره إنما هو في حق من لم يدخل تحت تربيته، فإنما هو طالب علم أو تبرك، وأما من التزم صحبته على طريق التربية فلا يتأخر عن امتثال ما أمره به، كيفما كان، نعم، إن لم ينبغ التوقف والتأني في الاقتداء به‏.‏

وقال في القوت في قوله‏:‏ ‏{‏فلا تسألن عن شيء‏}‏‏:‏ الشيء في هذا الموضع وصف مخصوص من وصف الربوبية من العلم، الذي علمه الخضر عليه السلام من لدنه، لا يصلح أن يسأل عنه، من معنى صفات التوحيد ونعوت الوحدانية، لا يوكل إلى العقول، بل يخص به المراد المحمول‏.‏ ه‏.‏

قال المحشي الفاسي‏:‏ وهو- أي‏:‏ المحمول- ما يرشَقْ فيهم من وصف الحق وقدرته، فيتصرفون، وهم في الحقيقة مُصرِّفُون، وهؤلاء هم أهل القبضة، الذين علَّمهم سِرَّ الحقيقة، فلهم قدرة لنفوذ شعاعها فيهم، فتتكوّن لهم الأشياء، وتنفعل لحملهم سر الحقيقة وظهورها لهم وفيهم، وهم كما قال‏:‏ مرادون محمولون، فما يجري عليهم‏:‏ قدر ‏{‏وما رميت ***‏}‏ الآية‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 77‏]‏

‏{‏فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ‏(‏71‏)‏ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏72‏)‏ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏(‏73‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ‏(‏74‏)‏ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏75‏)‏ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ‏(‏76‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏(‏77‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ضمَّن ركوب السفينة معنى الدخول فيها، فعداه بفي، وقد تركه على أصله في قوله‏:‏ ‏{‏لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً‏}‏ ‏[‏النّحل‏:‏ 8‏]‏‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏فانطلقا‏}‏ أي‏:‏ موسى والخضر، وسكت عن الخادم؛ لكونه تبعًا، وقيل‏:‏ إن يوشع لم يصحبهما، بل رجع، فصارا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نَوْل، فلما لَجَّجُوا البَحْرَ أخذ الخضرُ فأسًا فخرق السفينة، فقلع لوحًا أو لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، و‏{‏قال أخرقتها لتُغرق أهلَها‏}‏ أو‏:‏ ليَغرَق أهلُها، ‏{‏لقد جئتَ‏}‏ أي‏:‏ أتيتَ وفعلت، ‏{‏شيئًا إِمْرًا‏}‏ أي‏:‏ عظيمًا هائلاً، يقال‏:‏ أَمِر الأمرُ‏:‏ عظم، ‏{‏قال‏}‏ الخضر‏:‏ ‏{‏ألم أقل إِنك لن تستطيع معي صبرًا‏}‏؛ تذكيرًا لما قاله له من قبلُ، وإنكارًا لِعدم الوفاء بالعهد، ‏{‏قال‏}‏ موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏لا تُؤاخذني بما نسيتُ‏}‏ أي‏:‏ بنسياني، أو بالذي نسيته، وهو وصيته بأن لا يسأله عن حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفية الأسباب قبل بيانه، أراد‏:‏ نسي وصيته، ولا مؤاخذة على الناسي، وفي الحديث‏:‏ «كانت الأولى مِن مُوسى نسيانًا» أو‏:‏ أراد بالنسيان الترك، أي‏:‏ لا تُؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة‏.‏ ‏{‏ولا تُرهقني‏}‏ أي‏:‏ لا تُغْشِنِي ولا تُحَمِّلْنِي ‏{‏من أمري‏}‏، وهو اتباعك، ‏{‏عُسرًا‏}‏ أي‏:‏ لا تعَسِّرْ عليّ في متابعتك، بل يسرها عليّ؛ بالإغضاء والمسامحة‏.‏

‏{‏فانطلقا‏}‏ أي‏:‏ فقبل عذره؛ فخرجا من السفينة فانطلقا ‏{‏حتى إذا لقيا غلامًا فقتله‏}‏ قيل‏:‏ كان يلعب مع الغلمان ففتَلَ عنقه، وقيل‏:‏ ضرب رأسه بحجر، وقيل‏:‏ ذبحه، والأول أصح؛ لوروده في الصحيح، رُوي أن اسم الغلام «جيسور» بالجيم، وقيل‏:‏ بالحاء المهملة، فإِن قلت‏:‏ لِمَ قال ‏{‏خرقها‏}‏؛ بغير فاءٍ، وقال‏:‏ ‏{‏فقتله‏}‏ بالفاء‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن «خَرَقَها»‏:‏ جواب الشرط، و‏{‏قتله‏}‏‏:‏ من جملة الشرط، معطوفًا عليه، والجزاء هو قوله‏:‏ ‏{‏قال أقتلت‏}‏، فإن قلت‏:‏ لِمَ خولف بينهما‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لِقاء الغلام‏.‏ ه‏.‏ وأصله للزمخشري‏.‏ وقال البيضاوي‏:‏ ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى عليه السلام مستأنفًا في الأولى، وفي الثانية ‏{‏فقتله‏}‏ من جملة الشرط، واعتراضه جزاء؛ لأن القتل أقبح، والاعتراض عليه أدخل، فكان جديرًا بأن يجعل عمدة الكلام، ولذلك وصله بقوله‏:‏ ‏{‏لقد جئت شيئًا نُكرًا‏}‏ أي‏:‏ منكرًا‏.‏ ه‏.‏ وناقشه أبو السعود بما يطول ذكره‏.‏

‏{‏قال‏}‏ موسى عليه السلام في اعتراضه‏:‏ ‏{‏أقتلتَ نفسًا زكية‏}‏‏:‏ طاهرة من الذنوب، وقرئ بغير ألف؛ مبالغةً، ‏{‏بغير نَفْسٍ‏}‏ أي‏:‏ بغير قتلِ نفسٍ محرمةٍ، فيكون قصاصًا‏.‏ وتخصيص نفي هذا القبيح بالذكر من بين سائر القبيحات من الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد إحصان؛ لأنه أقرب إلى الوقوع؛ نظرًا لحال الغلام‏.‏

‏{‏لقد جئتَ شيئًا نُكْرًا‏}‏ أي‏:‏ مُنكرًا، قيل‏:‏ أنكرُ من الأول، إذ لا يمكن تداركه، كما يمكن تدارك الأول؛ بالسد ونحوه‏.‏ وقيل‏:‏ «الإمْر» أعظم؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة‏.‏

‏{‏قال‏}‏ له الخضرُ عليه السلام‏:‏ ‏{‏ألم أقل لك إِنك لن تستطيعَ معي صبرًا‏}‏، زاد «لك»؛ لزيادة تأكيد المكافحة؛ بالعتاب على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر، لما تكرر منه الإنكار، ولم يَرْعَوِ بالتذكير، حتى زاد في النكير في المرة الثانية بذكر المنكر‏.‏ ‏{‏قال‏}‏ موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏إِنْ سألتك عن شيء بعدها‏}‏؛ بعد هذه المرة ‏{‏فلا تُصاحبني‏}‏ إن سألتُ صُحبتَكَ، وقرأ يعقوب‏:‏ «فلا تصحبني»؛ رباعيًا، أي‏:‏ لا تجعلني صاحبًا لك، ‏{‏قد بلغتَ من لدُنِّي عُذْرًا‏}‏ أي‏:‏ قد أعذرتَ ووجدت مِنْ قِبَلِي عذرًا في مفارقتي، حيث خالفتك ثلاث مرات‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يرحم الله أَخِي مُوسَى، استحيا، فقال ذلك، لو لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأبْصرَ أَعْجَبَ الأعَاجِيب» وفي البخاري‏:‏ «وددنا لو صبر موسى، حتى يقص الله علينا من أمرهما»‏.‏

‏{‏فانطلقا حتى إِذا أتيا أهل قريةٍ‏}‏، هي أنطاكية، وقيل‏:‏ أَيْلة، وقيل الأبُلة، وهي أبعد أرض الله من السماء، وقيل‏:‏ برقة، وقال أبو هريرة وغيره‏:‏ هي بالأندلس‏.‏ ويُذكر أنها الجزيرة الخضراء‏.‏ قلت‏:‏ وهي التي تسمى اليوم طريفة، وأصلها بالظاء المشالة‏.‏ وذلك على قول إن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كانوا أهل قرية لِئامًا» وقال قتادة‏:‏ شر القرى التي لا يُضاف فيها الضيف، ولا يعرف لابن السبيل حقه‏.‏

ثم وصف القرية بقوله‏:‏ ‏{‏استطعما أهلها‏}‏ أي‏:‏ طلبا منهم طعامًا، ولم يقل‏:‏ استطعماهم، على أن يكون صفة لأهل؛ لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم، فإن الإباء من الضيافة، مع كونهم أهلها قاطنين بها، أشنع وأقبح‏.‏

رُوي أنهما طافا بالقرية يطلبان الطعام، فلم يطعموهما‏.‏ واستضافاهم ‏{‏فأَبَوا أن يُضيفوهما‏}‏ بالتشديد، وقرئ بالتخفيف‏.‏ يقال‏:‏ ضافه‏:‏ إذا كان له ضيفًا، أضافه وضيّفه‏:‏ أنزله ضيفًا‏.‏ وأصل الإضافة‏:‏ الميل، من‏:‏ ضاف السهمُ عن الغرض‏:‏ مال، ونظيره‏:‏ زاره، من الازْوِرَار، أي‏:‏ الميل‏.‏ فبينما هما يمشيان، ‏{‏فوجدا فيها جدارًا‏}‏، قال وهب‏:‏ كان طوله مائة ذراع، ‏{‏يُريد أن ينقضَّ‏}‏ أي‏:‏ يسقط، استعار الإرادة للمشارفة؛ للدلالة على المبالغة في ذلك، والانقضاض‏:‏ الإسراع في السقوط، وهو انفعال، من القض، يقال‏:‏ قضضته فانقض، ومنه‏:‏ انقضاض الطير والكوكب؛ لسقوطه بسرعة‏.‏ وقرئ‏:‏ أن ينقاض، من انقاضت السنُّ‏:‏ إذا سقطت طولاً‏.‏ ‏{‏فأقامه‏}‏ قيل‏:‏ مسحه بيده فقام، وقيل‏:‏ نقضه وبناه، وهو بعيد‏.‏ ‏{‏قال‏}‏ له موسى‏:‏ ‏{‏لو شئتَ لاتخذتَ عليه أجرًا‏}‏ نتعشى به، وهو تحريض له على أخذ الجُعل، أو تعريض بأنه فُضول، وكأنه لَمَّا رأى الحِرمَان ومساس الحاجة كان اشتغاله بذلك في ذلك الوقت مما لا يعني، فلم يتمالك الصبر عليه‏.‏

قال ابن التين‏:‏ إن الثالثة كانت نسيانًا؛ لأنه يبعد الإنكار لأمر مشروع، وهو الإحسان لمن أساء‏.‏ ه‏.‏ وفيه نظر؛ فقد قال القشيري في تفسير الآية‏:‏ لم يقل موسى‏:‏ إنك ألْمَمْتَ بمحظور، ولكن قال‏:‏ لو شئتَ، أي‏:‏ فإن لم تأخذ بسببك فهلا أخذت بسببنا، فكان أخْذُ الأجر خيرًا من الترك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللت بحقنا‏؟‏ ويقال‏:‏ إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديب، فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقة، وإلاَّ فهو نسي، حيث سقى لبنات شعيب، وكان ما أصابه من التعب والجوع أكثر، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً، وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلا‏.‏ ه‏.‏

قلت‏:‏ لأن الحق تعالى أراد تأديبه فلم يحمل عنه، فكان سالكًا محضًا، وفي وقت السقي‏:‏ كان مجذوبًا محمولاً عنه‏.‏

ثم قال القشيري‏:‏ وكما أن موسى كان يُحب صحبة الخضر؛ لما له فيه من غرض استزادةٍ من العلم، كان الخضر يحب ترك صحبته؛ إيثارًا للخلوة بالله عنه‏.‏ ه‏.‏ قاله في الحاشية الفاسية‏.‏

الإشارة‏:‏ يُؤخذ من خرق السفينة أن المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه، ويعيب سفينة وجوده، بتخريب ظاهره، حتى لا يقبله أحد، ولا يُقبل عليه أحد، فبذلك يخلو بقلبه ويستقيم على ذكر ربه، وأما ما دام ظاهره متزينًا بلباس العوائد، فلا يطمع في ورود المواهب والفوائد‏.‏

ويُؤخذ من قتل الغلام‏:‏ أنه لا بد من قتل الهوى، وكل ما فيه حظ للنفس والشيطان والطريق في ذلك أن تنظر ما يثقل على النفس فتُحمله لها، وما يخف عليها فتحجزها عنه، حتى لا يثقل عليها شيء من الحق‏.‏ ويؤخذ من إقامة الجدار رسم الشرائع؛ قيامًا بآداب العبودية، وصونًا لكنز أسرار الربوبية‏.‏ ويؤخذُ منه أيضًا‏:‏ الإحسان لمن أساء إليه، فإن أهل القرية أساؤوا؛ بترك ضيافة الخضر، فقابلهم بالإحسان؛ حيث أقام جدارهم‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 82‏]‏

‏{‏قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏78‏)‏ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ‏(‏79‏)‏ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ‏(‏80‏)‏ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ‏(‏81‏)‏ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏82‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏، الإشارة إما إلى نفس الفراق، كقولك‏:‏ هذا أخوك، أو إلى الوقت الحاضر، أي‏:‏ هذا وقت الفراق‏.‏ أو إلى السؤال الثالث‏.‏ و‏{‏بيني‏}‏‏:‏ ظرف مضاف إليه المصدر؛ مجازًا، وقرئ بالنصب، على الأصل، و‏{‏غَصْبًا‏}‏‏:‏ مصدر نوعي ليأخذ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ الخضر عليه السلام‏:‏ ‏{‏هذا فراقُ بيني وبينك‏}‏ فلا تصحبني بعد هذا، ‏{‏سأنبئُك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا‏}‏ أي‏:‏ سأخبرك بالخبر الباطن، فيما لم تستطع عليه صبرًا؛ لكونه منكرًا في الظاهر، فالتأويل‏:‏ رجوع الشيء إلى مآله، والمراد هنا‏:‏ المآل والعاقبة، وهو خلاص السفينة من اليد العادية، وخلاص أَبَوَيْ الغلام من شره، مع الفوز بالبدل الأحسن، واستخراج اليتيمين للكنز، وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعته، ولم يقل‏:‏ «بتأويل ما رأيت»؛ نوعُ تعريضٍ به، وعناية عليه السلام‏.‏

ثم جعل يفسر له، فقال‏:‏ ‏{‏أما السفينة‏}‏ التي خرقتُها، ‏{‏فكانت لمساكين‏}‏‏:‏ ضُعفاء، لا يقدرون على مدافعة الظلمة، فسماهم مساكين؛ لذلهم وضعفهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وأمتْنِي مِسْكِينًا، واحْشُرْنِي في زُمرةِ المَسَاكِينِ» فلم يُرد مسكنة الفقر، وإنما أراد التواضع والخضوع، أي‏:‏ احشرني مخبتًا متواضعًا، غير جبار ولا متكبر، وقيل‏:‏ كانت السفينة لعشرة إخوة‏:‏ خمسة زَمْنَى، وخمسة ‏{‏يعملون في البحر‏}‏‏.‏ وإسناد العمل إلى الكل، حينئذ، بطريق التغليب، ولأن عمل الوكيل بمنزلة الموكل‏.‏ ‏{‏فأردت أن أعيبها‏}‏‏:‏ أجعلها ذات عيب، ‏{‏وكان ورائهم ملكٌ‏}‏ أي‏:‏ أمامهم، وقرئ به، أو خلفهم، وكان رجوعهم عليه لا محالة، وكان اسمه‏:‏ «جلندي بن كركر» وقيل‏:‏ «هُدَدُ بن بُدَد»، قال ابن عطية‏:‏ وهذا كله غير ثابت، يعني‏:‏ تسمية الملك‏.‏ ‏{‏يأخذُ كلَّ سفينة‏}‏ صالحة، وقرئ به، ‏{‏غَصْبًا‏}‏ من أصحابها‏.‏

وكان حق النظم أن يتأخر بيانُ إرادةِ التعيُّبِ عن خوف الغصب، فيقول‏:‏ فكانت لمساكين، وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة، فأردت أن أعيبها؛ لأن إرادة التعيب مُسَبَّبٌ عن خوف الغصب، وإنما قدّم؛ للاعتناء بشأنها؛ إذ هي المحتاجة إلى التأويل، ولأن في التأخير فصلاً بين السفينة وضميرها، مع توهم رجوعه إلى الأقرب قال البيضاوي‏:‏ ومبني ذلك- أي‏:‏ التعيب وخوف الغصب- على أنه متى تعارض ضرران يجب حمل أهونهما بدفع أعظمهما، وهو أصل ممهد، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة‏.‏ ه‏.‏

‏{‏وأما الغلامُ‏}‏ الذي قتلتُه ‏{‏فكان أبواه مؤمنين‏}‏ وقد طُبع هو كافرًا، وإنما لم يصرح بكفره؛ لعدم الحاجة إليه؛ لظهوره من قوله‏:‏ ‏{‏فخشينا أن يُرهقهما‏}‏‏:‏ فخفنا أن يغشى الوالدَيْنِ المؤمنَيْنِ ‏{‏طغيانًا‏}‏ عليهما ‏{‏وكفرًا‏}‏ بنعمتهما؛ لعقوقه وسوء صنيعه، فَيُلْحِقُهُمَا شرًا، أو لشدة محبتهما له فيحملهما على طاعته، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، فلعله يميلهما إلى رأيه فيرتدا‏.‏

وإنما خشي الخضر عليه السلام منه ذلك؛ لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على عاقبة أمره، وقرئ‏:‏ «فخاف ربك»، أي‏:‏ كره سبحانه كراهية من خاف سوء عاقبة الأمر‏.‏ ويجوز أن تكون القراءة المشهورة من قول الله سبحانه على الحكاية، أي فكرهنا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا؛ ‏{‏فأردنا أن يُبدلهما ربُّهما خيرًا منه‏}‏؛ بأن يرزقهما بدله ولدًا ‏{‏خيرًا منه زكاةً‏}‏‏:‏ طهارة من الذنوب والأخلاق الردية، ‏{‏وأقربَ رُحْمًا‏}‏ أي‏:‏ رحمة وعطفًا، وفي التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليهما ما لا يخفى؛ من الدلالة على وصول الخير إليهما، فلذلك قيل‏:‏ ولدت لهما جارية، تزوجها نبي من الأنبياء فولدت نبيًا، هدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم، وقيل‏:‏ ولدت سبعين نبيًا، وقيل‏:‏ أبدلهما ابنًا مؤمنًا مثلهما‏.‏

‏{‏وأما الجدارُ‏}‏ الذي أقمتُ ‏{‏فكان لغلامين يتيمين في المدينة‏}‏ أي‏:‏ القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة؛ لإظهار نوع اعتداد بها، باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالح، قيل‏:‏ اسم اليتيمين أصرم وصريم‏.‏ ‏{‏وكان تحته كنزٌ لهما‏}‏ من فضة وذهب، كما في الحديث، والذم على كنزهما إنما هو لمن لم يؤد زكاته، مع أن هذه شريعة أخرى‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏(‏كان لوحًا من ذهب، مكتوب فيه‏:‏ عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن‏؟‏ وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب‏؟‏ وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح‏؟‏ وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل‏؟‏ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‏؟‏ لا إله إلا الله، محمد رسول الله‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ كانت صحفًا فيها علم مدفون‏.‏

‏{‏وكان أبوهما صالحًا‏}‏، فيه تنبيه على أن سَعْيَهُ في ذلك كان لصلاح أبيهما، وفيه دليل على أن الله تعالى يحفظ أولياءه في ذريتهم، قيل‏:‏ كان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به سبعة أجداد‏.‏ قال محمد بن المنكدر‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، ومَسربته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فلا يزالون في حفظ الله وستره‏)‏‏.‏ وكان سعيد بن المسيب يقول لولده‏:‏ إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاء أن أُحْفَظَ فيك، ويتلو هذه الآية‏.‏ ويتلو هذه الآية‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «ما أحسن أحدٌ الخلافة في ماله إلا أحسن الله الخلافة في تركته» ويؤخذ من الآية‏:‏ القيام بحق أولاد الصالحين؛ إذ قام الخضر عليه السلام بذلك‏.‏

‏{‏فأراد ربك‏}‏ أي‏:‏ مالكك ومُدبر أمرك‏.‏ وفي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه السلام، دون ضميرهما، تنبيه له عليه السلام على تحتم كمال الانقياد، والاستسلام لإرادته سبحانه، وَوُجوب الاحتراز عن المناقشة فيما برز من القدرة في الأمور المذكورة وغيرها‏.‏ أراد ‏{‏أن يبلغا أشُدَّهما‏}‏‏:‏ حُلُمَهُمَا وكمالَ رأيِهِمَا، ‏{‏ويستخرجا كنزهما‏}‏ من تحت الجدار، ولولا أني أقمته لانقض، وخرج الكنز من تحته، قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته، وضاع بالكلية؛ ‏{‏رحمةً من ربك‏}‏ مصدر في موضع الحال، أي‏:‏ يستخرجا كنزهما مَرْحُومَيْنِ به من الله تعالى‏.‏

أو‏:‏ يتعلق بمضمر، أي‏:‏ فعلت ما فعلت من الأمور التي شاهدتها، ‏{‏رحمة من ربك‏}‏؛ بمن فُعل له أو به‏.‏

وقد استعمل الخضر عليه السلام غاية الأدب في هذه المخاطبة؛ فنسب ما كان عيبًا لنفسه، وما كان ممتزجًا له ولله تعالى؛ فإن القتل بلا سبب ظاهرهُ عيبٌ، وإبداله بخير منه خير، فأتى بضمير المشاركة، وما كان كمالاً محضًا، وهو إقامة الجدار، نسبه لله تعالى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وما فعلته‏}‏ أي‏:‏ ما رَأَيْتَ من الخوارق ‏{‏عن أمري‏}‏ أي‏:‏ عن رأيي واجتهادي، بل بوحي إلهي مَلَكي، أو إلهامي، على اختلافٍ في نبوته أو ولايته، ‏{‏ذلك‏}‏ أي‏:‏ ما تقدم ذكره من التأويلات، ‏{‏تأويلُ‏}‏ أي‏:‏ مآل وعاقبة ‏{‏ما لم تَسْطِع عليه صبرًا‏}‏ أي‏:‏ تفسير ما لم تستطع عليه صبرًا، فحذف التاء؛ تخفيفًا، وهو فذلكة لِمَا تقدم، وفي جعل الصلة غير ما مرَّ تكرير للتنكير عليه وتشديد للعتاب‏.‏ قيل‏:‏ كل ما أنكر سيدنا موسى عليه السلام على الخضر قد جرى له مثله، ففي هذه الأمثلة حجة عليه، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة، نودي‏:‏ يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت مطروح في اليم‏؟‏ فلما أنكر قتل الغلام وقيل له‏:‏ أين إنكارك من وكْزك القبطي وقضائك عليه‏؟‏ فلما أنكر إقامة الجدار، نودي‏:‏ أين هذا من رفعك الحجر لبنات شعيب دون أجر‏؟‏ والله تعالى أعلم‏.‏

رُوِيَ أنه قال له‏:‏ لو صبرتَ لأتيتُ بك على ألفي عجيبة، كلها مما رأيت‏.‏ ولما أراد موسى عليه السلام أن يفارقه، قال له‏:‏ أوصني، قال‏:‏ لا تطلب العلم لتحدث به، واطلبه لتعمل به‏.‏ ه‏.‏

وفي رواية‏:‏ قال له‏:‏ اجعل همتك في معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن الخوفَ، ولا تيأس الأمْن، وتدبر الأمور في علانيتك، ولا تذر الإحسان في قدرتك‏.‏ فقال له‏:‏ زدني يا ولي الله، فقال‏:‏ يا موسى إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك، من غير عَجَب، ولا تُعير أحدًا بخطيئة بعد الندم، وابك على خطيئَتك يا ابن عمران، وإياك والإعجاب بنفسك، والتفريط فيما بقي من عمرك، فقال له موسى‏:‏ قد أبلغت في الوصية، أتم الله عليك نعمته، وغمرك في رحمته، وكلأك من عدوه‏.‏ فقال الخضر‏:‏ آمين‏.‏ فأوصني أنت يا نبي الله، فقال له موسى‏:‏ إياك والغضب إلا في الله، ولا ترضى عن أحد إلا في الله، ولا تحب لدنيا ولا تبغض لدنيا، فإنك تخرج من الإيمان وتدخل في الكفر، فقال له الخضر‏:‏ قد أبلغت في الوصية يا ابن عمران، أعانك الله على طاعته، وأراك السرور في أمرك، وحببك إلى خلقه، وأوسع عليك من فضله، قال موسى‏:‏ آمين‏.‏

تنبيه‏:‏ قد تقدم أن الجمهور على حياة الخضر عليه السلام‏.‏ وسبب تعميره أنه كان على مقدمة ذي القرنين، فلما دخل الظلمات أصاب الخضر عين الحياة، فنزل فاغتسل منها، وشرب من مائها، فأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد، فلم يصادفها، قالوا‏:‏ وإلياس أيضًا في الحياة، يلتقيان في كل سنة بالموسم، واحتج من قال بموت الخضر بقوله- عليه الصلاة والسلام-، كما في الصحيح، بعد صلاة العشاء‏:‏ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّه عَلَى رأسِ مِائَةِ سَنَةِ، لا يَبْقَى ممَنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدًا»، ويجاب بأن الخضر عليه السلام كان في ذلك الوقت في السحاب، أو يخصص الحديث به؛ كما يخص بإبليس ومن عَمَّر من غيره‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ الاعتراض على المشايخ موجب للبُعد عنهم، والبُعد عنهم موجب للبُعد عن الله، فلا وصول إلى الله إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام؛ «سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه»؛ كما في الحِكَم‏.‏ فالواجب على المريد، إذا كان بين يدي الشيخ، السكوت والتسليم والاحترام والتعظيم، إلا أن يأمره بالكلام، فيتكلم بآداب ووقار وخفض صوت، فإذا رأى منه شيئًا يخالف ظاهر الشريعة فليسلم له، ويطلب تأويله، فإن الشريعة واسعة، لها ظاهر وباطن، فلعله اطلع على ما لم يفهمه المريد‏.‏

وكذلك الفُقراء لا ينكر عليهم إلا ما كان محرّمًا مجمعًا على تحريمه، ولا تأويل فيه، كالزنا بالمعينة أو اللواط، وأما ما اختلف فيه، ولو خارج المذهب، فلا ينكر عليه، وكذلك ما فيه تأويل‏.‏ هذا إن صحت عدالته، فقد قالوا‏:‏ إن صحت عدالة المرء فليترك وما فعل‏.‏ وتأمل قضية شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب في مسألة الثور الذي أمر الفقراء بذبحه، فلما ذبحوه تبين أنه كان صدقة عليه، وكذلك غيره من أرباب الأحوال، يُلتمس لهم أحسن المخارج، فإن أحوالهم خضرية، وما رأينا أحدًا أولع بالإنكار فأفلح أبدًا‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 88‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏83‏)‏ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ‏(‏84‏)‏ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏85‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ‏(‏86‏)‏ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏87‏)‏ وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ‏(‏88‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ويسألونك‏}‏ أي اليهود، سألوه على وجه الامتحان، أو قريش، بتلقينهم‏.‏ والتعبير بالمضارع؛ للدلالة على استمرارهم على ذلك إلى ورود الجواب، والمراد‏:‏ ذو القرنين الأكبر، وكان على عهد إبراهيم عليه السلام، ويقال‏:‏ إنه الذي قضى لإبراهيم حين تحاكم إليه في بئر السبع بالشام، واسمه تبرس، وقيل‏:‏ هرديس، وأما ذو القرنين الأصغر، بالقرب من زمن عيسى عليه السلام، واسمه الإسكندر، وهو صاحب أرسطو الفيلسوف، وقيل‏:‏ المراد به هنا الأصغر، واقتصر عليه المحلِّي‏.‏

قال الإمام الرازي‏:‏ والأول أظهر؛ لأن من بلغ مُلكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيل إنما هو الأكبر، كما شهدت به كتب التواريخ‏.‏ قلت‏:‏ كلاهما بلغا الغاية القصوى، وملكا المشارق والمغارب، أما ذو القرنين الأكبر، فقيل‏:‏ إنه كان ملِكًا عادلاً صالحًا، ملك الأقاليم، وقهر أهلها من الملوك، ودانت له البلاد، وإنه كان داعيًا إلى الله تعالى، سائرًا في الخَلْق بالمعونة التامة والسلطان المؤيد المنصور، وكان الخضر على مقدمة جيشه، بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير‏.‏ وقيل‏:‏ كان ابن خالته‏.‏ وذكر الأزرقي وغيره أنه أسلم على يد إبراهيم عليه السلام، فطاف معه بالكعبة مع إسماعيل‏.‏ ورُوي أنه حج ماشيًا، فلما سمع إبراهيم عليه السلام بقدومه تلقاه ودعا له، وأوصاه بوصايا‏.‏ ويقال‏:‏ إنه أُتي بفرس ليركب، فقال‏:‏ لا أركب في بلد فيه الخليل، فعند ذلك سخّر له السحاب، وطوى له الأسفار، فكانت السحاب تحمله وعساكيره وجميع آلاتهم، إذا ارادوا غزو قوم‏.‏ وسئل عنه عليّ رضي الله عنه‏:‏ أكان نبيًا أو ملَكًا- بالفتح-‏؟‏ فقال‏:‏ لم يكن نبيًا ولا ملَكًا، ولكن كان عبدًا أحبَّ الله فأحبه الله، وناصَحَ الله فناصحه، فسخر له السحاب، ومدَّ له الأسباب‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ملك الأرض أربعةٌ‏:‏ مؤمنان وكافران، فالمؤمنان‏:‏ سليمان وذو القرنين، والكافران‏:‏ نمرود وبختنصر‏.‏ ه‏.‏

وأما ذو القرنين الأصغر، وهو الإسكندر اليوناني، فرُوِيَ انه لما مات أبوه جمع مُلْكَ الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، ثم مضى حتى أتى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية وسماها باسمه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل، وورد بيت المقدس وذبح في مذبحةٍ، ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب، ودان له العراقيون والقبط والبربر، واستولى على ملوك الفرس، وقصد السند وفتحه، وبنى مدينة سرنديب وغيرها، ثم قصد الصين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى العراق ومرض ومات‏.‏

رُوِيَ أن أهل النجوم‏:‏ قالوا له‏:‏ إنك تموت على أرض من حديد، وتحت سماء من خشب، فبلغ بابل، ورعُف، وسقط عن دابته، فبسطت له دروع من حديد، فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بترس من خشب، فنظر، فقال‏:‏ هذه أرض من حديد وسماء من خشب، فمات، وهو ابن ألف وستمائة سنة، وقيل‏:‏ ثلاثة آلاف، قال ابن كثير‏:‏ وهو غريب‏.‏

قلت‏:‏ والذي لابن عساكر‏:‏ أنه عاش ستًا وثلاثين سنة، وأنه كان بعد داود وسليمان- عليهما السلام- ثم قال ابن عساكر بعد كلام‏:‏ وإنما بينّا هذا؛ لأن كثيرًا من الناس يعتقدون أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن العظيم هو المتأخر، فيقع بذلك خطأ كبير‏.‏ كيف لا، والأول كان عبدًا صالحًا مؤمنًا، ملكًا عادلاً، وزيره الخضر عليه السلام، وقد قيل‏:‏ إنه كان نبيًا، وأما الثاني فقد كان كافرًا، وزيره أرسْطَاطَاليس الفيلسوف، وقد كان بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذلك‏؟‏‏!‏‏.‏ ه‏.‏ فتأمله مع ما ذكر في اللُباب من تعزيته أمه، مما يدل على إسلامه، قال فيه‏:‏ لما علم ذو القرنين أن الموت استعجله، دعا بكاتبه، فقال له‏:‏ اكتب تعزيتي لأمي، بسم الله الرحمن الرحيم، من الإسكندر بن قيصر، رفيق أهل الأرض بجسده وأهل السماء بروحه، إلى أمي رومية ذات الصفا، التي لم تتمتع بثمرتها في دار الفناء، وعما قريب تجاوره في دار البقاء، يا أماه؛ أسألك بودك لي وودي لك، هل رأيت لِحَيِّ قرارًا في الدار الدنيا‏؟‏ وانظري إلى الشجر والنبات يخضر ويبتهج، ثم يهشم ويتناثر، كأن لم يغنَ بالأمس، وإني قد قرأت في بعض الكتب فيما أنزل الله‏:‏ يا دنياي ارحلي بأهلِكِ، فإنكِ لستِ لهم بدار، إنما الدنيا واهبة الموت، موروثة الأحزان، مفرقة الأحباب، مخربة العمران، وكل مخلوق في دار الأغيار ليس له قرار‏.‏ انظر بقية كلامه فيه‏.‏ ولا يلزم من صحبته أرسطاطاليس أن يكون على دينه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

واختُلِفَ في ذي القرنين المذكور في القرآن‏:‏ هل كان نبيًا أو ملَكًا- بفتح اللام- أو ملِكًا- بالكسر- وهو الصحيح، واختلف في وجه تسميته بذي القرنين؛ فقيل‏:‏ كان في رأسه أو تاجه ما يشبه القرنين، وقيل‏:‏ لأنه كان له ذؤابتان، وقيل‏:‏ لأنه دعا الناس إلى الله عزّ وجلّ، فضُرب بقرنه الأيمن، ثم دعا إلى الله فضرب بقرنه الأيسر، وقيل‏:‏ لأنه رأى في منامه أنه صعد الفلك فأخذ بقرني الشمس، وقيل‏:‏ لأنه انقرض في عهده قرنان، وقيل‏:‏ لأنه سخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتحوطه الظلمة من ورائه‏.‏ ه‏.‏

ثم ذكر الحق تعالى الجواب، فقال‏:‏ ‏{‏قل سأتلو عليكم‏}‏ أي‏:‏ سأذكر لكم ‏{‏منه ذكرًا‏}‏ أي‏:‏ خبرًا مذكورًا، أو قرآنا يخبركم بشأنه، والسين؛ للتأكيد، والدلالة على التحقق المناسب لمقام تأييده صلى الله عليه وسلم، وتصديقه بإنجاز وعده، لا للدلالة على أن التلاوة ستقع في المستقبل؛ لأن هذه الآية نزلت موصولة بما قبلها، حين سألوه صلى الله عليه وسلم عنه، وعن الروح، وعن أهل الكهف، فقال‏:‏ غدًا أُخبركم، فتأخر الوحي كما تقدم، ثم نزلت السورة مفصلة‏.‏

ثم شرع في تلاوة ذلك الذكر، فقال‏:‏ ‏{‏إِنا مكنَّا له في الأرض‏}‏ أي‏:‏ مكنا له فيها قوة يتصرف فيها كيف يشاء، بتيسير الأسباب وقوة الاقتدار، حيث سخر له السحاب، ومدّ له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، وسهل له السير في الأرض وذللت له طرقها، ‏{‏وآتيناه من كل شيء‏}‏ أراده من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه ‏{‏سببًا‏}‏ أي‏:‏ طريقًا يُوصله إليه؛ من علم، أو قدرة، أو آلة، فأراد الوصول إلى الغرب ‏{‏فأتْبَع سببًا‏}‏‏:‏ طريقًا يوصله إليه‏.‏

‏{‏حتى إذا بلغ مَغْرِب الشمس‏}‏ أي‏:‏ منتهى الأرض من جهة المغرب، بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته، ووقف على حافة البحر المحيط الغربي، الذي فيه الجزاير المسماة بالخالدات، التي هي مبدأ الأطوال على أحد القولين‏.‏ ‏{‏وجدَها‏}‏ أي‏:‏ الشمس، ‏{‏تغربُ في عينٍ حَمِئَةٍ‏}‏ أي‏:‏ ذات حمأ، وهو الطين الأسود، وقرئ‏:‏ حامية، أي‏:‏ حارة، رُوي أن معاوية رضي الله عنه قرأ حامية، وعنده ابن عباس، فقال ابن عباس‏:‏ حمئة، فقال‏:‏ معاوية لعبد الله بن عمرو بن العاص‏:‏ كيف تقرأ‏؟‏ قال‏:‏ كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب‏؟‏ قال‏:‏ في ماء وطين، كذا نجده في التوراة، فوافق قول ابن عباس رضي الله عنه‏.‏

وليس بينهما تنافٍ، لجواز كون العين جامعة بين الوصفين، وأما رجوع معاوية إلى قول ابن عباس بما سمعه من كعب الأحبار، مع أن قراءته أيضًا متواترة، فلكون قراءة ابن عباس قطعية في مدلولها، وقراءته محتملة، ولعله لَمَّا بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك، إذ ليس في مطمح نظره غير الماء، كما يلوح به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجدها تغرب‏}‏، ولم يقل‏:‏ كانت تغرب؛ فإن الشمس في السماء لا تغرب في الأرض‏.‏

‏{‏ووجد عندها‏}‏ أي‏:‏ تلك العين ‏{‏قومًا‏}‏؛ قيل‏:‏ كان لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لفظه البحر، وكانوا كفارًا، فخيّره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل، وأن يدعوهم إلى الإيمان، فقال‏:‏ ‏{‏قلنا يا ذا القرنين إِما أن تُعَذَّبَ‏}‏ بالقتل من أول الأمر، ‏{‏وإِمّا أن تتخذ فيهم حُسْنًا‏}‏؛ أمرًا ذا حُسْنٍ، وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع، واستدل بهذا على نبوته، ومن لم يقل بها قال‏:‏ كان بواسطة نبي كان معه في ذلك العصر، أو إلهامًا، بعد أن كان التخيير موافقًا لشريعة ذلك النبي، ‏{‏قال‏}‏ ذو القرنين، لمن كان عنده‏:‏ مختارًا للشق الأخير، وهو الدعاء إلى الإسلام‏:‏ ‏{‏أمّا من ظَلَم‏}‏ في نفسه، وأصرّ على الكفران، ولم يقبل الإيمان ‏{‏فسوف نُعذِبُه‏}‏ بالقتل‏.‏ وعن قتادة‏:‏ أنه كان يطبخ من كفر في القدور، ‏{‏ثم يُرَدُّ إلى ربه‏}‏ في الآخرة ‏{‏نُعَذِّبُهُ‏}‏ فيها ‏{‏عذابًا نُكْرًا‏}‏؛ منكرٌ فظيعًا، لم يُعهد مثله، وهو عذاب النار‏.‏

وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق الوحي إليه، أي‏:‏ حيث لم يقل‏:‏ «ثم يرد إليك»، وأن مقاولته كانت مع النبي، أو مع من عنده من أهل مشورته‏.‏

‏{‏وأما مَنْ آمن‏}‏ بموجب دعوته ‏{‏وعَمِلَ‏}‏ عملاً ‏{‏صالحًا‏}‏ حسبما يقتضيه الإيمان ‏{‏فله‏}‏ في الدارين ‏{‏جزاء الحُسنى‏}‏، أي‏:‏ المثوبة الحسنى، أو الفعلة الحسنى جزاء، على قراءة النصب، على أنه مصدر مؤكد للجملة، قُدِّم عليه المبتدأ؛ اعتناءً، أو حال، أو تمييز‏.‏ ‏{‏وسنقول له من أمرنا‏}‏ أي‏:‏ مما نأمر به ‏{‏يُسْرًا‏}‏‏:‏ سهلاً ميسرًا، غير شاق عليه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ذو القرنين لَمَّا أقبل بكليته على مولاه، ودعا إلى الله، ونصح لله، مكّنه الله تعالى من الأرض، ويسر له أموره، حتى قطع مشارقها ومغاربها، وكذلك من انقطع إلى الله، ورفع همته إلى مولاه، وأرشد الخلق إلى الله، تكون همته قاطعة، يقول للشيء كن فيكون، بقدرة الله وقدره‏.‏ وسخر له الكون بأسره، يكون عند أمره ونهيه «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك»، يقول الله تعالى، في بعض كلامه‏:‏ «يا عبدي كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد»‏.‏

قال القشيري‏:‏ ذو القرنين مكَّن له في الأرض جهرًا، فكانت تُطوى له إذا قطع أحوازها، وسُهل له أن يندرج في مشارقها ومغاربها، ويحظر أقطارها ومناكبها، ومن كان في محل الإعانة من الأولياء؛ فالحق سبحانه يُمكنه في المملكة، ليحصل عند همته ما أراد من حصول طعام أو شراب، أو غيره من قطع مسافة، أو استتار عن أبصار، وتصديق مأمول، وتحقيق سؤال، وإجابة دعاء، وكشف بلاء، وفوق ذلك تمكينه من تحقيق همه له في أمره، ثم فوق ذلك في التمكين في أن يُحضِر بهمتهم قومًا بما شاؤوا، ويمنع قومًا عما شاؤوا، فلهم من الحق تحقيق أمل، إذا تصرفوا في المملكة بإرادات في سوانح وحادثات، وفوق هذا التمكين في المملكة إيصال قوم إلى منازل ومحالُ، فالله يحقق فيهم همتهم‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ وفوق ذلك كله تمكينهم من شهود ذاته، في كل وقت وحين، حتى لو طلبوا الحجاب لم يُجابوا، ولو كُلفوا أن يروا غيره لم يستطيعوا، وهؤلاء هم الذين لهم التمكين في الإيصال إلى منازل السائرين ومحالُ الواصلين‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 91‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏89‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ‏(‏90‏)‏ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ‏(‏91‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏مَطْلِعَ‏}‏ فيه لغتان‏:‏ الكسر والفتح، و‏{‏كذلك‏}‏‏:‏ خبر عن مضمر، أي‏:‏ أمر ذي القرنين كما وصفنا لك، أو صفة مصدر محذوف لِوَجَد، أو ‏{‏نجعل‏}‏ أي‏:‏ وجدا أو جعلا كذلك، أو صفة لقوم، أي‏:‏ على قوم مثل ذلك القبيل، الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم، أو صفة لستر، أي‏:‏ سترًا مثل ستركم‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ثم أَتْبَع‏}‏ ذو القرنين ‏{‏سببًا‏}‏‏:‏ طريقًا راجعًا من مغرب الشمس، موصلاً إلى مشرقها، ‏{‏حتى إِذا بلغ مَطْلِعَ الشمس‏}‏ أي‏:‏ الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً من معمورة الأرض، قيل‏:‏ بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل‏:‏ في أقل من ذلك‏.‏

‏{‏وجدها تطْلُع على قوم‏}‏ عراة ‏{‏لم نجعلْ لهم من دونها سترًا‏}‏ من اللباس والبنيان، قيل‏:‏ هم الزنج، وفي اللباب‏:‏ قيل‏:‏ إنهم بنو كليب، وقيل‏:‏ إن بني كليب طائفة منهم، وهم قوم بآخر صين الصين، على صور بني آدم، إلاّ أنهم لهم أذناب كأذناب الكلاب، ووجوه كوجوه الكلاب، وأكثر قُوتِهم الحوت، ومَن مات منهم أكلوه، وملأوا موضع دماغه مسكًا وعنبرًا، وحبسوه عندهم؛ تبركًا بآبائهم وأبنائهم‏.‏ ثم قال‏:‏ وليس لهم لباس إلا الجلود على عورتهم‏.‏ ه‏.‏

وعن كعب‏:‏ أن أرضهم لا تمسك الأبنية، وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوا الأسراب أو البحر، فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم، يتراعون فيها كما ترعى البهائم‏.‏ قال رجل من سمَرْقَنْد‏:‏ خرجت حتى جاوزت الصين، فقالوا لي‏:‏ بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلاً حتى بلغتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه، ويلبس الأخرى، وكان صاحبي يُحسن لسانهم، فسألهم فقالوا‏:‏ جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس‏.‏ قال‏:‏ فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي عليَّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلَعت الشمس على الماء، إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلونا سربًا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج‏.‏ ه‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض‏.‏ ه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أمر ذي القرنين كما وصفنا، في رفعة المحل وبسط الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل مغرب الشمس، من التخيير والاختيار، أو وجد قومًا عند مطلع الشمس كذلك، وحكم فيهم، بحكم أولئك‏.‏ أو‏:‏ ‏{‏لم نجعل لهم‏}‏ سترًا مثل ستركم من اللباس والأكنان والجبال‏.‏ قال الحسن‏:‏ كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، ولا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس هربوا إلى البحر‏.‏ ه‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقد أحطْنا بما لديه‏}‏ من الأسباب والعُدَد، وما صدر عنه وما لاقاه ‏{‏خُبْرًا‏}‏‏:‏ علمًا تعلق بظواهره، وخفايا أمره، يعني‏:‏ أن ذلك بلغ من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير‏.‏

الإشارة‏:‏ كان ذو القرنين في الظاهر يلتمس مطلع الشمس الحسية، وفي الباطن يلتمس مطلع الشمس المعنوية، وهي شمس القلوب، التي تكشف أستار الغيوب، ثم أتبع سبَبًا يُوصل إلى شمس العيان، فوجدها تطلع على قلوب أهل العرفان، لم يجعل لهم من دونها سِتْرًا على الدوام، لما أتحفهم به من غاية الوصال والإكرام، حتى قال قائلهم‏:‏ لو حجب عني الحق تعالى طرفة عين ما أعددت نفسي من المسلمين، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقول‏:‏ وجدها تطلع على أهل التجريد، الخائضين في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، وفيهم قال المجذوب رضي الله عنه‏:‏

أقَارِئينَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ *** هُنَا البُحورُ إلَيَّ تُنْبِي

هَذَا مَقَامُ أَهْلِ التَّجْرِيد *** الْوَاقفِينَ مَع ربِّي

قد تجرّدوا من لباس الزينة والافتخار، ولبسوا لباس المسكنة والافتقار، فعوضهم الله تعالى في قلوبهم لباس الغنى والعز والاقتدار، صبروا قليلاً، واستراحوا زمنًا طويلاً، تذللوا قليلاً، وعزّوا عزًا طويلاً، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 101‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏92‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ‏(‏93‏)‏ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ‏(‏94‏)‏ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ‏(‏95‏)‏ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ‏(‏96‏)‏ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ‏(‏97‏)‏ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ‏(‏98‏)‏ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ‏(‏99‏)‏ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ‏(‏100‏)‏ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ‏(‏101‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏بين السدين‏}‏‏:‏ مفعول، لا ظرف؛ لأنه يستعمل متصرفًا‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ثم أتْبَعَ‏}‏ ذو القرنين ‏{‏سببًا‏}‏‏:‏ طريقًا ثالثًا بين المشرق والمغرب، سالكًا من الجنوب إلى الشمال، ‏{‏حتى إذا بلغ بين السدين‏}‏‏:‏ بين الجبلين، اللذين سُدَّ ما بينهما، وهو منقطع أرض الترك، مما يلي المشرق، لا جبال أرمينية وأذربيجان، كما توهم، وفيه لغتان‏:‏ الضم والفتح، وقيل‏:‏ ما كان من فعل الله فهو مضموم، وما كان من عمل الخلق فهو مفتوح‏.‏ ‏{‏وجد من دونهما‏}‏ أي‏:‏ من ورائهما‏:‏ مما يلي بر الترك، ‏{‏قومًا‏}‏‏:‏ أمة من الناس ‏{‏لا يكادون يفقهون‏}‏‏:‏ يفهمون ‏{‏قولاً‏}‏؛ لغرابة لغتهم، وقلة فطنتهم، وقرئ بالضم؛ رباعيًا، أي‏:‏ لا يُفصحون بكلامهم، واختلف فيهم، قيل‏:‏ هم جيل من الترك؛ قال السدي‏:‏ الترك سُرْبة من يأجوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السد، فبقيت خارجة‏.‏ قلت‏:‏ ولعلهم طلبوا منه ذلك، حين اعتزلوا قومهم، ثم قال‏:‏ فجميع الترك منهم‏.‏ وعن قتادة‏:‏ أنهم،- أي‏:‏ يأجوج ومأجوج- اثنتان وعشرون قبيلة، سد ذو القرنين على إحدى وعشرين، وبقيت واحدة، فسُموا الترك؛ لأنهم تُرِكُوا خارجين‏.‏ قال أهل التاريخ‏:‏ أولاد نوح عليه السلام ثلاثة‏:‏ سام وحام ويافث، فسام أَبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخرز والصقالبة ويأجوج ومأجوج‏.‏ ه‏.‏

وقُرِئ بالهمز فيهما؛ لأنه من أجيج النار، أي‏:‏ ضوؤها وشررها، شُبهوا به في كثرتهم وشدتهم، وهو غير منصرف؛ للعجمة والعلَمية‏.‏

‏{‏قالوا يا ذا القرنين‏}‏، إما أن يكون قالوه بواسطة ترجمان، أو يكون فَهم كلامهم، فيكون من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب، فقالوا له‏:‏ ‏{‏إِن يأجوج ومأجوج‏}‏، قد تقدم أنهم من أولاد يافث‏.‏ وما يقال‏:‏ إنهم من نطفة احتلام آدم لم يصح، واختلف في صفاتهم، فقيل‏:‏ في غاية صغر الجثة وقصر القامة، لا يزيد قدمهم على شبر، وقيل‏:‏ في نهاية عِظم الجسم وطول القامة، تبلغ قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعًا، وفيهم من عرضه كذلك‏.‏

قال عبد الله بن مسعود‏:‏ سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال‏:‏ «هم أمم، كل أمة أربع مائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذَكَر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح»، قيل‏:‏ يا رسول الله صفهم لنا، قال‏:‏ «هم ثلاثة أصناف‏:‏ صنف منهم أمثال الأرز- وهو شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع- وصنف عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وصنف يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مُقَدَّمَتُهُمْ بالشام، وسَاقَتُهُمْ بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية»‏.‏

فقالوا له‏:‏ ‏{‏إِنَّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض‏}‏ أي‏:‏ في أرضنا، بالقتل، والتخريب، وإتلاف الزرع، قيل‏:‏ كانوا يخرجون أيام الربيع، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابسًا إلا احتملوه، وكانوا يأكلون الناس أيضًا‏.‏ ‏{‏فهل نجعلُ لك خَرْجًا‏}‏ أي‏:‏ جُعْلاً من أموالنا ‏{‏على أن تجعلَ بيننا وبينهم سدًّا‏}‏؛ بالفتح وبالضم، أي‏:‏ حاجزًا يمنعهم منا‏؟‏

‏{‏قال ما مكَّني‏}‏- بالفك وبالإدغام- أي‏:‏ ما مكنني ‏{‏فيه ربي‏}‏، وجعلني في مكينًا قادرًا من الملك والمال وسائر الأسباب، ‏{‏خيرٌ‏}‏ من جُعْلِكم، فلا حاجة لي به، ‏{‏فأَعينوني بقوة‏}‏ الأبدان وعمل الأيدي، كصُنَّاع يحسنون البناء والعمل، وبآلاتٍ لا بد منها في البناء، ‏{‏أجعلْ بينكم وبينهم رَدْمًا‏}‏ أي‏:‏ حاجزًا حصينًا، وبرزخًا مكينًا، وهو أكبر من السد وأوثق، يقال‏:‏ ثوب مُردم؛ إذا كان ذا رقاع فوق رقاع، وهذا إسعاف لهم فوق ما يرجون‏.‏ ‏{‏آتُوني زُبَرَ الحديد‏}‏‏:‏ جمع زبرة، وهي القطعة الكبيرة، وهذا لا ينافي رد خراجهم؛ لأن المأمور الإيتاء بالثمن أو المناولة، كما ينبئ عنه قراءة‏:‏ «ائتوني»؛ بوصل الهمزة، أي‏:‏ جيئوني بزبر الحديد، على حذف الباء، ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة، دون الخراج على العمل‏.‏

قال القشيري‏:‏ استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم، ولم يأخذ منهم عُمالة؛ لما رأى أن من الواجب عليه حق الحماية على حسب المُكنة‏.‏ ه‏.‏

ولعل تخصيص الأمر بالإتيان بها دون سائر الآلات؛ من الفحم والحَطب وغيرهما؛ لأن الحاجة إليها أمسُّ؛ لأنها الركن في السد، ووجودها أعز‏.‏ قيل‏:‏ حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر الحديد، وجعل بيْنهما الفحم والحطب، حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، وكان بينهما مائة فرسخ، وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إذا ساوى بين الصَّدَفَينِ‏}‏، وقرئ بضمهما، أي‏:‏ ما زال يبني شيئًا فشيئًا حتى إذا جعل ما بين ناصيتي الجبلين من البنيان مساويًا لهما في السُّمْك‏.‏ قيل‏:‏ كان ارتفاعه‏:‏ مائتي ذراع، وعرضه‏:‏ خمسون ذراعًا‏.‏ وقرئ ‏{‏سوَّى‏}‏؛ بالتشديد، من التسوية‏.‏

فلما سوّى بين الجبلين بالبناء، ‏{‏قال‏}‏ للعَمَلة‏:‏ ‏{‏انفخوا‏}‏ النيران في الحديد المبني، ففعلوا ‏{‏حتى إذا جعله‏}‏ أي‏:‏ المنفوخ فيه ‏{‏نارًا‏}‏ أي‏:‏ كالنار في الحرارة والهيئة‏.‏ وإسناد الجعل إلى ذي القرنين، مع أنه من فعل العملة؛ للتنبيه على أنه العمدة في ذلك، وهم بمنزلة الآلة‏.‏ ‏{‏قال‏}‏ للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها‏:‏ ‏{‏آتُوني أُفرغ عليه قِطْرًا‏}‏ أي‏:‏ آتوني نحاسًا مُذابًا أُفرغه عليه، وإسناد الإفراغ إلى نفسه، لِمَا تقدم‏.‏

‏{‏فما اسطاعوا‏}‏ أي‏:‏ استطاعوا ‏{‏أن يَظْهَرُوه‏}‏ أيْ‏:‏ يعلوه بالصعود لارتفاعه، والفاء فصيحة، أي‏:‏ ففعلوا ما أمرهم به من إيتاء القطر، فأفرغوه عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صلَدًا، فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن يعلوه أو ينتقبوه ‏{‏فما اسطاعوا أن يَظْهَرُوه‏}‏؛ لارتفاعه وملاسته، ‏{‏وما استطاعوا له نَقْبًا‏}‏؛ لصلابته، وهذه معجزة له؛ لأن تلك الزُبَر الكبيرة إذا أثرت فيها حرارة النار لا يقدر أحد أن يجول حولها، فضلاً عن إفراغ القطر عليها، فكأنه تعالى صرف النار عن أبدان المباشرين للأعمال‏.‏

والله على كل شيء قدير‏.‏

‏{‏قال‏}‏ ذو القرنين، لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏ أي‏:‏ السد، أو تمكينه منه، ‏{‏رحمةً‏}‏ عظيمة ‏{‏من ربي‏}‏ على كافة العباد، لا سيما على مجاوريه، وفيه إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق، بل هو إحسان إلهي محض، وإن ظهر بمباشرتي‏.‏ والتعرض لوصف الربوبية؛ لتربية معنى الرحمة‏.‏

‏{‏فإذا جاء وعدُ ربي‏}‏‏:‏ وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة؛ بأن شارف قيامُها، ‏{‏جعله‏}‏ أي‏:‏ السد المذكور، مع متانته ورصانته، ‏{‏دكّاءَ‏}‏‏:‏ مدكوكًا مبسوطًا مستويًا بالأرض، وفيه بيان عظمة قدرته تعالى، بعد بيان سعة رحمته، ‏{‏وكان وعد ربي حقًا‏}‏‏:‏ كائنًا لا محالة‏.‏

رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إِنَّ يأجُوجَ ومأجُوجَ يَحْفِرُون السد، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ‏:‏ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرونه غَدًا، فيُعِيدُهُ اللهُ كأشَدّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغتْ مُدَّتُهُمْ، حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا بَلَغتْ مُدَّتُهُمْ، حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الذِي عَلَيْهم‏:‏ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ الله، فَيَعُودُونَ إِلَيْه، وهُوَ على هَيْئَتِهِ كما تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ فيخْرُجُونَ عَلَى النَّاس» وسيأتي في الأنبياء تمام قصة خروجهم، إن شاء الله، وهذا آخر كلام ذي القرنين‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وتركنا بعضهم يومئذ‏}‏‏:‏ يوم مجيء الوعد، ويخرجون، ‏{‏يموجُ في بعض‏}‏؛ يزدحمون في البلاد، أو‏:‏ يموج بعض الخلق في بعض، فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم، حيارى من شدة الهول‏.‏ رُوي أنهم يأتون البحر فيشربونه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر وما ظفروا به، ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون على دخول مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله عليهم مرضًا في رقابهم، فيموتون مرة واحدة، فيرسل الله طيرًا فترميهم في البحر، ثم يرسل مطرًا تغسل الأرضَ منهم، ثم تُوضع فيها البركة، وهذا بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، ثم تنقرض الدنيا كما قال تعالى‏:‏

‏{‏ونُفخ في الصُّور‏}‏؛ لقيام الساعة، ‏{‏فجمعناهم جمعًا‏}‏، وسكت الحق تعالى عن النفخة الأولى؛ اكتفاء بذكرها في موضع آخر، أي‏:‏ جمعنا الخلائق بعدما تفرقت أوصالهم، وتمزقت أجسادهم، في صعيد واحد؛ للحساب والجزاء، جمعًا عجيبًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، ‏{‏وعرَضْنَا جهنم‏}‏؛ أظهرناها وأبرزناها ‏{‏يومئذ‏}‏ أي‏:‏ يوم إذ جمعنا الخلائق كافة، ‏{‏للكافرين‏}‏ منهم، بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظًا وزفيرًا، ‏{‏عَرضًا‏}‏ فظيعًا هائلاً لا يقدر قدره، وخص العَرض بهم، وإن كان بمرْأى من أهل الموقف قاطبة؛ لأن ذلك لأجلهم‏.‏

ثم ذكر وصفهم بقوله‏:‏ ‏{‏الذين كانت أعينهم‏}‏ وهم في الدنيا ‏{‏في غطاءٍ‏}‏ كثيف وغشاوة غليظة ‏{‏عن ذكري‏}‏‏:‏ عن سماع القرآن وتدبره، أو‏:‏ عن ذكري بالتوحيد والتمجيد، أو كانت أعين بصائرهم في غطاء عن ذكري على وجه يليق بشأني، ‏{‏وكانوا لا يستطيعون سمعًا‏}‏ أي‏:‏ وكانوا مع ذلك؛ لفرط تصامُمِهم عن الحق وكمال عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، لا يستطيعون استماعًا منه لذكري وكلامي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية، كما أن الأول تصوير لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار‏.‏

الإشارة‏:‏ السياحة في أقطار الأرض مطلوبة عند الصوفية في بداية المريد، أقلها سبع سنين، وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه‏:‏ أقلها أربع عشرة سنة‏.‏ وفيها فوائد، منها‏:‏ زيارة الإخوان، والمذاكرة معهم، وهي ركن في الطريق، ومنها‏:‏ نفع عباد الله، إن كان أهلاً لتذكيرهم، ‏(‏فلأن يهدي الله به رجلاً واحدًا خير له مما طلعت عليه الشمس‏)‏‏.‏ ومنها‏:‏ تأسيس باطنه وتشحيذ معرفته، ففي كل يوم يلقى تجليًا جديدًا، وتلوينًا غريبًا، يحتاج معه إلى معرفة كبيرة وصبر جديد، فالمريد كالماء، إذا طال مُكثه في مكانه أنتن وتغيَّر، وإذا جرى عَذُبَ وصَفَى‏.‏ ومنها‏:‏ أنه قد يلقى في سياحته من يربَحُ منه، أو يزيد به إلى ربه‏.‏

رُوِيَ أن ذا القرنين بينما هو يسير في سياحته إذ رُفع إلى أمة صالحة، يهدون بالحق وبه يعدلون، يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليْسَتْ لبيوتهم أبواب، وليس عليهم أُمراء، وليس بينهم قضاة، ولا يختلفون ولا يتنازعون، ولا يقتتلون، ولا يضحكون ولا يحزنون، ولا تُصيبهم الآفات التي تُصيب الناس، أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فظ ولا غليظ، فعجب منهم، وقال‏:‏ خبِّروني بأمركم، فلم أر في مشارق الأرض ومغاربها مثلكم، فما بال قبوركم على أبواب بيوتكم‏؟‏ قالوا‏:‏ لئلا ننسى الموت؛ ليمنعنا ذلك من طلب الدنيا، قال‏:‏ فما بال بيوتكم لا أبواب لها‏؟‏ قالوا‏:‏ ليس فيها مُتهم، ولا فينا إلا أمين مؤتمن‏.‏ قال‏:‏ فما بالكم ليس فيكم حُكَّام‏؟‏ قالوا‏:‏ لا نختصم، قال‏:‏ فما بالكم ليس فيكم أغنياء‏؟‏ قالوا‏:‏ لا نتكاثر‏.‏ قال‏:‏ فما بالكم ليس فيكم ملوك‏؟‏ قالوا‏:‏ لا نفتخر، قال‏:‏ فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون‏؟‏ قالوا‏:‏ من أُلفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا، قال‏:‏ فما بال طريقتكم واحدة وكلمتكم مستقيمة‏؟‏ قالوا‏:‏ من أجل أننا لا نتكاذب، ولا نتخادع، ولا يغتاب بعضنا بعضًا‏.‏ قال‏:‏ أخبروني من أين تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم‏؟‏ قالوا‏:‏ صلحت صدورنا فنزع منها الغل والحسد، قال‏:‏ فما بالكم ليس فيكم فقير ولا مسكين‏؟‏ قالوا‏:‏ من قِبَل أَنَّا نقسم بيننا بالسوية‏.‏ قال‏:‏ فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ‏؟‏ قالوا‏:‏ من قِبَل الذلة والتواضع، قال‏:‏ فما جعلكم أطول الناس أعمارًا‏؟‏ قالوا‏:‏ من قِبَل أنَّا لا نتعاطى إلا الحق ونحكم بالسوية‏.‏

قال‏:‏ فما بالكم لا تضحكون‏؟‏ قالوا‏:‏ لا نغفُل عن الاستغفار‏.‏ قال‏:‏ فما بالكم لا تحزنون‏؟‏ قالوا‏:‏ من قِبَل أَنَّا وَطَّنَّا أنفسنا للبلاء‏.‏ فقال‏:‏ فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس‏؟‏ قالوا‏:‏ لأنا لا نتوكل على غير الله، قال‏:‏ هل وجدتم آباءكم هكذا‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويُواسون فقراءهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويُحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمن جهل عليهم، ويَصلُون أرحامهم، ويُؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويُوفون بعهدهم، ويَصدُقون في مواعدهم، فأصلح الله تعالى بذلك أمرهم وحفظهم، ما كانوا أحياءًا، وكان حقًا علينا أن نخلفهم في تركتهم‏.‏ فقال ذو القرنين‏:‏ لو كنت مُقيمًا لأقمت فيكم، ولكن لم أُومر بالمقام‏.‏ ه‏.‏ ذكره الثعلبي‏.‏

وقال في القوت‏:‏ قوله تعالى، في صفة أعدائه المحجوبين‏:‏ ‏{‏كانت أعينهم في غطاء عن ذكري‏}‏‏:‏ دليل الخطاب في تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره، ناظرون إلى غيبه، قال تعالى في ضده‏:‏ ‏{‏مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏هُود‏:‏ 20‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَثَلُ الفريقين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏هُود‏:‏ 24‏]‏ الآية‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ‏(‏102‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏أن يتخذوا‏}‏‏:‏ سد مسد المفعولين، أو حذف الثاني، أي‏:‏ أَحَسِبُوا اتخاذهم نافعَهم و‏{‏نزلاً‏}‏‏:‏ حال من جهنم‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ منكرًا على الكفار المتقدمين‏:‏ ‏{‏أفَحَسِبَ الذين كفروا‏}‏ حين أعرضوا عن ذكري، وكانت أعينهم في غطاء عن رؤية دلائل توحيدي، ‏{‏أن يتخذوا عبادي‏}‏ كالملائكة والمسيح وعزير، أو الشياطين؛ لأنهم عباد، ‏{‏من دُونِي أولياءَ‏}‏ أي‏:‏ معبودين من دوني، يُوالونهِم بالعبادة، أن ذلك ينفعهم، أو‏:‏ ألا نعذبهم على ذلك، بل نعذبهم على ذلك، ‏{‏إِنا أَعتدنا‏}‏؛ يَسَّرنا وهيأنا ‏{‏جهنمَ للكافرين نُزُلاً‏}‏ أي‏:‏ شيئًا يتمتعون به أول ورودهم القيامة‏.‏ والنزُل‏:‏ ما يقدم للنزيل أي‏:‏ الضيف، وعدل عن الإضمار؛ ذمًا لهم على كفرهم، وإشعارًا بأن ذلك الإعتاد بسبب كفرهم، وعبَّر بالإعْتادِ؛ تهكمًا بهم، وتخطئة لهم، حيث كان اتخاذهم أولياء من قبيل العتاد، وإعداد الزاد ليوم المعاد، فكأنه قيل‏:‏ إنا أعتدنا لهم، مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذُّخْرِ،، جهنم؛ عدة لهم‏.‏ وفي ذكر النُزل‏:‏ إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له، وتستحقر دونه، وقيل‏:‏ النزل‏:‏ موضع النزول، أي‏:‏ أعتدناها لهم منزلاً يقيمون فيه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ما أحببتَ شيئًا إلا وكنتَ له عبدًا، وهو لا يُحب أن تكون لغيره عبدًا، فأَفْرد قلبك لله، وأَخْرِج منه كلَّ ما سواه، فحينئذ تكونُ عبدًا لله، حرًا مما سواه، فكل ما سوى الله باطلٌ، وظل آفل، فكن إبراهيميًا، حيث قال‏:‏ ‏{‏لا أُحِبُّ الآفلين‏}‏ ‏[‏الأنعَام‏:‏ 76‏]‏، فارفع أيها العبد همتك عن الخلق، وعلقها بالملك الحق، فلا تُحب إلا الله، ولا تطلب شيئًا سواه، كائنًا ما كان، من جنس الأشخاص، أو من جنس الأحوال أو المقامات أو الكرامات؛ لئلا تنخرط في سلك من اتخذ من دون الله أولياء، فتكون كاذبًا في العبودية‏.‏

رُوِيَ عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ قرأتُ الفاتحة، فقلت‏:‏ الحمد لله رب العالمين‏.‏ فقال لي الهاتف مِنْ قِبَل الله تعالى‏:‏ صدقت، فقلت‏:‏ الرحمن الرحيم، فقال‏:‏ صدقت‏.‏ فقلت‏:‏ مالك يوم الدين، فقال‏:‏ صدقت‏.‏ فلما قلتُ‏:‏ إياك نعبد، قال كذبتَ؛ لأنك تعبد الكرامات، قال‏:‏ ثم أدبني، وتبت لله تعالى‏.‏ ذكره ابن الصباغ مُطولاً‏.‏ قلت‏:‏ ولعله قبل ملاقاة الشيخ، ولذلك عاتبه بقوله‏:‏ يا أبا الحسن عِوَضُ ما تقول‏:‏ «سَخِّر لي خلقك»، قل‏:‏ يا رب كن لي، أرأيت إن كان لك أيفوتك شيء‏؟‏ نفعنا الله بجميعهم‏.‏